خليل الصفدي
95
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
إيراد الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، فينزل غير السائل منزلة من يسأل إذا كان قد لوّح له بما يقتضي السؤال ، وينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهرت عليه مخايل الإنكار / . ويوقع المضمر في موضع الظاهر ، والظاهر في موضع المضمر إلى غير ذلك من الأمور المذكورة في علم البلاغة . والذي حسّن إيقاع الظاهر موقع المضمر في الآية الكريمة ، أن الظاهر أدلّ على المعنى الذي وضع اللفظ له من المضمر ، لأنه يدل عليه بنفسه . والمضمر يدل عليه بواسطة ما يفسّره ، وقصد المتكلم هنا ، الإخبار عن الذين طلب منهم الإطعام أنهم أهل القرية ، لأن من غشيه الضيف في منزله ، ولم يعتذر بعذر عن إكرامه ، بل قابله بالمنع ، مع ظهور حاجته التي أوجبت له أن يسأل منه ذلك ، لأن المسألة آخر أسباب الكسب ، يعلم بذلك أن الحامل له على الامتناع من إضافته لؤم الطبع واتباع مذموم البخل والشّحّ المطاع كما قال الشاعر : [ من الطويل ] حريص على الدنيا مضيع لدينه * وليس لما في بيته بمضيع حتى روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال « 1 » : « كانوا أهل قرية لئاما ، ومن كانت هذه سجيّته وهذا حاله ، كان حريّا بالإعراض عنه وعدم مقابلته بالإحسان إليه . فلما رأى موسى صلوات اللّه عليه إصلاح الخضر عليه السلام لجدار مشرف على السقوط في القرية التي هؤلاء أهلها ، من غير طلب أجر على ذلك منهم مع الحاجة إلى ذلك ، عجب من ذلك وأنكره حتى كأنه نسي ما قدّمه من وعده إياه بالصبر وبعدم المصاحبة إن سأله عن شيء بعد ذلك ، مع حرصه على صحبته والتعلّم منه . وكان في إعادة لفظة « الأهل » في الآية الكريمة إقامة لعذر موسى عليه السلام في الاعتراض في هذه الحالة ، لأنها حالة لا يصبر عن الاعتراض فيها ، لأن حالهم يقتضي بذل الأجرة في إصلاح أمر دنياوي ، لحرصهم / وشحّهم . فترك طلب الأجرة على إصلاح ذلك مع الضرورة والحاجة وقع إحسانا إلى أهلها الذين قابلوهما بالمنع عن الضيافة .
--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد 5 / 121 : « . . . مروا بالقرية اللئام أهلها . . . » ، وانظر الجزء 3 / 50 .